محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

298

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

خمسين مرة ثم دعوتني بعد ذلك لأجبتك ! ! » . قال أبو طالب المكّي ، رضي اللّه تعالى عنه : وحدّثت عن بعض الصوفية ، أنه وقف على رجل وهو يأكل ، فمدّ يده وقال : إن كان ثمّ شيء للّه تعالى ؟ فقال : اجلس فكل . فقال : أعطني في كفّي . فأعطاه في كفّه . فقعد في مكانه يأكل ، فسأله عن امتناعه من الجلوس معه . فقال : إن حالي مع اللّه الذلّ فكرهت أن أفارق حالي . قال : وكان هذا ربما مدّ يده إلى الهرّاس « 1 » فيجعل فيها هريسته . ومن أغرب ما رأيت في التواضع ما ذكره صاحب كتاب « عوارف المعارف » قال : « رأيت شيخنا ضياء الدين أبا النجيب ، وكنت معه في سفره إلى الشام ، وقد بعث بعض أبناء الدنيا له طعاما على رؤوس الأسارى من الإفرنج وهم في قيودهم ، فلما مدت السفرة والأسارى ينتظرون الأواني حتى تفرغ ، قال للخادم : أحضر الأسارى حتى يقعدوا على السفرة مع الفقراء ، فجاء بهم ، وأقعدهم على السفرة صفّا واحدا ، وقام الشيخ من سجادته ومشى إليهم وقعد بينهم كالواحد منهم ، وأكل وأكلوا ، وظهر لنا على وجهه ما نازل باطنه من التواضع للّه تعالى والانكسار في نفسه ، وانسلاخه من التكبّر عليهم بإيمانه وعلمه وعمله » . وأغرب من هذا ما ذكره صاحب كتاب « بغية الطالب ومنية الراغب » أبو الحسن علي بن عتيق بن يوسف القرطبي « 2 » ، رحمه اللّه تعالى ، عن أبيه أنه رأى الشيخ الفقيه أبا محمد بن عبد اللّه بن عبد الرحمن بن مفيد ، وكان من الفقهاء العلماء ، وهو يمشي في يوم شات كثير . الطين ، فاستقبله كلب يمشي على الطريق التي كان عليه . قال : فرأيته قد لصق بالحائط وعمل للكلب طريقا ووقف ينتظره ليجوز ، وحينئذ يمشي هو ، فلما قرب منه الكلب قال : فرأيته قد ترك مكانه الذي كان فيه ونزل أسفل وترك الكلب يمشي فوقه . قال : فلما جاوزه الكلب وصلت إليه فوجدته وعليه كآبة ، فقلت له : يا سيدي ، إني رأيتك صنعت الآن شيئا استغربته ، كيف رميت بنفسك في الطين وتركت الكلب يمشي في الموضع النقيّ ؟ فقال لي : بعد أن عملت له طريقا تحتي تفكّرت ، فقلت : ترفعت على الكلب وجعلت نفسي أرفع منه ، بل هو واللّه أرفع مني وأولى بالكرامة ؛ لأني عصيت اللّه تعالى وأنا كثير الذنوب ، والكلب لا ذنب له ، فنزلت له عن موضعي وتركته يمشي عليه ، وأنا الآن أخاف المقت من اللّه إلا أن يعفو عني ؛ لأني رفعت نفسي على من هو خير منّي .

--> ( 1 ) الهرّاس : صانع الهريسة وبائعها والهريسة : نوع من الحلوى يصنع من الدقيق والسمن والسكر . ( 2 ) انظر ترجمته في الأعلام 4 / 310 .